recent
أخبار ساخنة

"الخوف والرجاء" منزلة من منازل الإيمان Stations of Faith : Alkhawf Wa Rrajae

السلام عليك زائرنا الكريم، مدونتك جماليات المجالس يزيد بهاءها بمتابعتك لها، وبعد أن كنت معها ب "منزلة الصيام" كإحدى منازل الإيمان، سيكون مجلسنا اليوم عن منزلة "الخوف والرجاء"، المنزلة الجديدة بمنازل الإيمان، للسالكين إلى الله، فمرحبا بك.

<script> var meta=document.createElement("meta");meta.setAttribute("content", "منازل الإيمان,منازل الايمان,منزلة الخوف و الرجاء,الخوف,الخوف والرجاء,الخوف من الله,والرجاء,منازل,الإيمان بالله تعالى,من شروط الإيمان,الخوف من الله فقط,معنى الإيمان بالله,الإيمان بالله عز وجل,الرجاء,الايمان بالله,الايمان,التصوف,منزلة المحبة,السلف,أركان الإسلام"),meta.name="keywords",document.getElementsByTagName("head")[0].appendChild(meta); </script>
منزلة الخوف والرجاء من منازل الإيمان 


 منزلة الخوف والرجاء ومفهوم المحبة

يقول شيخنا فريد الأنصاري رحمة الله عليه، أنه لابد قبل شرح منزلة المحبَّة من الإشارة إلى إشكال قد ذُكر في كتب بعض العلماء القدماء، وذلك أن بعضهم عارض بين مفهوم المحبة ومفهوم الخوف والرجاء.
وأن لإبن القيم رحمه الله تعالى كلمات رائعة بهذا الخصوص حيث قال رحمه الله تعالى: “الخوفُ سائقٌ، والرجاء حادٍ، والمحبة مركبة”، فلابد إذا للسالك من هذه الأشياء جميعها.

"الخوف سائق" للسالك إلى الله

يقول شيخنا، السَّوق، المقصود هنا، من ساق يسوق سوْقا فهو سائق، ومنه: (سَوْقُ البهائم)، لأن الإنسان السالك أو المسافر في القديم إنما كان يركب جملا أو حصانا أو ما قُدِّر له أن يركب، ولا يكون السائق في هذا المعنى إلا حاملا لأداة السياقة، وأداة السياقة آنئذ هي العصا، فالسائق يخوف الدابة بعصاه ويسوقها ويسوسها.
ولذلك قال: "الخوف" سائق في طريق الله، أي أن العابد يحتاج وهو سائر إلى ربه إلى شيء يسوقه، ذلك السوق هو الترهيب الذي ذكره الله عز وجل في كتابه، وذكره النبي ﷺ في سنته.
إنه الترهيب من عذاب الله، فتلك هي عصا السوق التي تسوق المؤمن الذي يؤمن فعلا بالنار ويؤمن بعذاب الله ويؤمن بعذاب القبر وبالحساب والعقاب، نجانا الله وإياكم من ذلك كله

"الرجاء حادٍ" للسالك إلى الله

يشرح شيخنا ويقول أن "الرجاء" إنما سُمي حَادياً لأن الحُداء هو ضرب من الغناء عند العرب، فكان الإنسان العربي قبل الإسلام وفي الإسلام كما في صحيح البخاري يحدو الإبل حُداء أي يُنشد لها الأشعار ويُلحِّنُ لها ويُطربها تطريبا لتسرع في السير.
فإذا حداك الحادي فمعنى أنه غنى وأنشد لجملك أو لإبلك كي تُنصت إلى جَمال الصوت وتسرع الخُطى، ففَرْقٌ بين سَوْقٍ بالعصا وسَوْقٍ بالألحان، الأول يخيف، والثاني يطرب.
ولذلك الرجاء أن تطمع في ما عند الله من فضل وأن تسمع إلى آيات القرآن التي تفصِّل جَمالَ الجنة ونعيمَها، والمؤمن لابد له من الأمرين معاً، لأن النفس بين إقبال وإدبار، بين جَزْرٍ ورَجْع، أحياناً لا ينفعها إلا الخوف، وأحيانا أخرى لا ينفعها إلا الرجاء.
إذا كَثُر الخوفُ على النفس ضجَّت وصارت إلى اليأس والقنوط، وإذا قل الخوف إلى درجة الانعدام سابت النفس وطغت، فتحتاج إلى خوف ولكن هذا الخوف مؤَدَّب بالرجاء، مُندّى -من التندية والنَّدى- بالطمع في ما عند الله من خير.

"المحبة مركبة" السالك إلى الله

فإذا كنت تسير بهذين الأمرين فإنما المركبة التي تركبها هي محبة الله عز وجل وهي التي تسير، لأن الإنسان إنما يسير حقيقة إذا كان مُحِباً، لا يستطيع أن يقاوم إغراء الشيطان في هذه الدنيا الفاتنة التي تَصبُّ فتنها من كل حدب وصوب.
لا يستطيع إنسان أن يصدَّ كل ذلك عن قلبه إلا إذا كان ما في قلبه من محبة أكبر بكثير من إغراءات الشيطان ومن وساوسه، ومن جميع شهوات الحياة الدنيا، إذا فاقت محبة العبد لله محبَّته للدنيا وكل ما فيها، حينئذ لا يَرى الخير والجَمال إلا فيما عند الله عز وجل.
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ  أجاب أحد الصحابة حين قال له: وقد استيقظ من نوم أو قيلولة على حَصيرٍ بالٍ من سعَف النخل شديد وخشن(فحصير القدماء كلما صار باليا صار أشد خشونةوليس كحصير هذا الزمان، وقد نام النبي ﷺ  وليس بينه وبين هذا الحصير الشائك فراش رطب إطلاقا، فاستيقظ من نومه وقد حَزَّ الحصيرُ على صفحة عُنُقه ووجهه فتأسف الصحابي الجليل وقال: لو اتخذنا لك وطاءً -أي فراشا- تنام عليه يا رسول الله، فأجابه: ((ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)).
لم تملأ الدنيا قلبَ رسول الله ﷺ  في شيء لأن حُبَّ الله وحُبَّ ما عند الله كان قد ملأ عليه كلَّ قلبِه، فلم يبق له شيء من قلبه يُعطيه لهذه الدنيا، إذ أعطى الكل لله عز وجل.
وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ  : ((لو كنت متخذا أحدا خليلا لاتخذت ابن أبي قُحافةَ -يعني أبا بكر- خليلا ولكن صاحِبَكُم اتخذ الرحمنَ خليلا))، والخُلَّةُ هي المحبة العليا، وهي المخاللة والمخالطة، لأن محبة الله خالطت قلب رسول الله ﷺ  فلا ينفك قلبه عن حب الله إطلاقا وهو أعلى مثال في تفسير قوله عز وجل: {والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}(البقرة: 165)
والنبي ﷺ  إنما هو نبي الذين آمنوا، سيد الذين آمنوا ومرشدهم، حيث قال: “أما وإني أخشاكم لله وأتقاكم له”، لم يبلغ أحدٌ من العالَمين ما بلغ رسول الله  من درجة العبادة والرِّفعَة والقُرب والاقتراب من رب العالمين ذِكراً وشُكراً ومحبة لله الواحد القهار.

المحبة والخوف لايتصادمان

يقول شيخي فريد الأنصاري : إذن لا ينبغي لمؤمن أن يتصادم عنده مفهومُ الخوفِ ومفهومُ المحبة فهما سواء، وقد بينت أن الخوف حينما يُذكر في القرآن لا علاقة له بالخوف الذي يُذكَرُ في المجال الاجتماعي بين الناس، فخوف الإنسان من أمور الدنيا لا علاقة له بخوف الإنسان من الله.
خوف الناس، خوف الحيوانات، خوف الحشرات السامة، خوف الضياع، خوف عادي -من العادة- أما خوف الله فهو خوف عبادي -من العبادة- وللعبادة حلاوة.
فإذا كانت العبادة لها حلاوة وإنَّ لها لحلاوة، فإن خوف الله بهذا المعنى له حلاوة، أما الخوف العادي فلا حلاوة فيه بل فيه اضطراب واهتزاز، وفيه عدم الثقة بالنفس، وفيه من الأدواء ما قد يُدمِّرُ النفسَ تدميراً، لا تقوم بعده إلا بشفاء يأذن به الله عز وجل،

"الخوف من الله" بالكتاب والسنة

الفطن من تمسّك بالسنة ونظر إلى أقوال الرجال بمنظار السنة، لا يستقيم لمؤمن شيء في عبادته لله إلا إذا أخذه عن رسول الله ﷺ ، ومن ذلك بل وأرفع ما في ذلك محبة الله، ألم يقل الله عز وجل في القرآن {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}(آل عمران: 31).
من يرغب في المحبة حقا وصدقا فإنما عليه الاتباع، فإذا اتبع نال المحبة، {يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ}(آل عمران: 31- 32) ،
.والقول المأثور : “إن كنت أعبدك طمعا في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت أعبدك خوفا من نارك فأحرقني بها، وإنما أعبدك لأنك أهل لذاك”، يقول شيخي رحمه الله، هذا من تلبيس إبليس، يعني أن الشيطان أحيانا يُلَبِّسُ على العُبَّاد، وقد نُسِب هذا الكلام إلى ربيعة أو رابعة العدوية أو نُسِبَ إلى غيرها، لا يهمنا من القائل بقدر مايهمنا أنه أصبح ثقافة في المجال الديني لدى كثير من الناس، ينبغي للمؤمن أن يُفكِّر في ما ينفعه مع الله، اما الكلمات الفارغة فلا نفع منها
ألم يطمع رسول الله في جنة الله؟ ألم يخف رسول الله من نار الله؟ بلى والله، وقد ثبت بالتواتر من كل جهة أن رسول الله ﷺ  بكى خوفا من الله، وحوادثُ بكاء رسول الله خوفاً أكثر من أن تُحصى، نذكر بكاءه ﷺ وأبا بكر في حادثة إطلاق أسرى بدر حينما اختلف مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد أشار عمر بقطع رؤوسهم وأشار أبو بكر بإطلاق سراحهم وقبول الفداء، ففعل النبي ﷺ  ذلك، فنزل القرآن يُؤَنِّب رسول الله ﷺ  أن أطلق الأسرى، فما كان له أن يكون له أسرى حتى يُثْخِن في الأرض فجاء لوم شديد من الله عز وجل وجعل رسولُ الله وأبو بكر يبكيان خوفا من رب العالمين ومن عذاب رب العالمين حتى أدركهما عمر فقال: ما يبكيكما؟ فإما وجدتُ بكاءً فبكيت وإن لم أجد تباكيت، كيف يبكي رسول الله ويبكي خيرُ الناس بعد رسول الله ﷺ  أبو بكر الصديق ولا يبكي عمر؟ فذكر له النبي ﷺ  أن الله عاتبه في إطلاق أسرى بدر وأَنَّبَه على ذلك، أوليس هذا خوف!!؟
وثبت أنه ﷺ  قال: ((ألا وإني أتقاكم لله وأخشاكم له))، إذا كان هو أخشى الناس فيكون إذن هُوَ أخوفَهم من الله عز وجل، وأكثر من مرة بكى رسول الله ﷺ  إذ سمع القرآن يُقرأ من غيره وكان يقول: “أُحِبُّ أن أسمعه من غيري”، فكان إذا سمع آية تُحدِّثُه عن العذاب أو تُحدِّثُه عن رسالته هو عليه الصلاة والسلام بكى خوفا من ألا يُؤَدِّيَ الأمانةَ حقَّها فكان أخوَفَ الناس من الله، وبكى رسولُ الله ﷺ  هو وجبريل وما أدراك ما جبريل بكيا معا خوفا من الله.
إذن خوف الله ثابتٌ بالكتاب والسنة في حَقِّ رسول الله ﷺ ، وهو أرجى الناس في ما عند الله من نعم وجنة، ولا يُعقل أن يُغطَّى هذا الكلام بقولهم “وإنما أعبدك لأنك أهل لذاك” نعم نعبده سبحانه لأنه أهل لذاك، يَستحقُّ أن يُعبد عز وجل بذاته وبجمال صفاته وأسمائه، ولكن أيضا لا يتعارض هذا، ولا يتناقض مع أن نَعبُدَه خوفاً منه، ومن أن نعبده رجاءً فيما عنده.
فمفهومي الخوف والرجاء وعلاقتهما بالمحبة والطمع فيما عند الله ليس منقصة، بل هو محمدة وفاتحة لأبواب للعباد إلى رب العباد.

حب الله وحب الأنداد

يقول شيخي رحمة الله عليه، ليس عبثا أن يقول الله عز وجل: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} (البقرة: 165)، ما معنى يحبونهم؟
فالحب ميل القلب، وقد مال قلب المشركين للأوثان، {أَفَرَاَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: 23)، هذه الأهواء مالت أحيانا إلى عبادة أحجار، فتكون الأحجار في مرحلة من المراحل رموزا لطبقية إقتصادية، بسبب مجموعة من الأحجار هيمن على خزينتها شخص ما، يستفيد من مداخيلها، أو مهيمنا على مكانة اجتماعية اكتسب بسببها جاها وسلطة، أو شيء من هذا القبيل، هذا حب أيضا.
الإنسان يميل إلى حب المال، يميل إلى حب السلطة، يميل إلى حب الجاه، تلك شهوات الحياة الدنيا، وهذه فطرة في الإنسان ولكن إذا انحرفت عن الطريق أدَّت إلى خسارة ودمار.
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرَ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالانْعَامِ وَالحرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حسن مآب }  (آل عمران: 14)، 
هذه الشهوات التي ذُكرت في هذه الآية من أوائل سورة آل عمران، محاسن أيضا للدنيا وللآخرة إن وُجِّهَت في طريق الآخرة، أما إن استُغِلَّت صارت أوثانا تُعبَد من دون الله لأن الأهواء تتعلق بها {أَفَرَايْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(الجاثية: 23).
يتعلق الهوى بحجر أو بشجر أو ببشر فيميل القلب و يصبح مملوكا لذلك الوثن، {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً}(البقرة: 165) أي قرناء، يقرنونهم بما لله من فضل وجمال وجلال، فيحبون هذه الأشياء بما ينبغي أن يجعلوه لله، {يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}(البقرة: 165)، ولكن المؤمنين أشد حبا لله، {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً} (البقرة: 165) “أشدُّ” صيغة تفضيل، يعني هم في محبتهم أكثر تعلقا على المستوى الوجداني القلبي بذات الله وصفاته من تعلق المشركين بتلك الأوثان المادية أو المعنوية،

المحبةمتبادلة بين الرب وعبده

إذن ليس عبثا قول الله عز وجل {قُل إن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}( آل عمران: 31)، المحبة المتبادلة بين الرب وبين عبده، الفرح المتبادل بين العبد وبين ربه، عن أبي حمزة أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله  : ((لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة))(متفق عليه)
وقوله عز وجل: {رضي الله عنهم ورضوا عنه}، والرضى شعور وإحساس نفسي يشعر فيه الإنسان بالراحة، ولا يكون الرضا إلا عن شيء جميل، لا يرضى الإنسان على القبيح، لا يرضى على الشيء المقرف، وإنما يرضى على الشيء الجميل ذي البهاء، ذي الجمال، ذي الجلال، والله كذلك سبحانه وتعالى، فيمدُّ عباده الصالحين بشيء من ذلك فيرضى الله على عبده الصالح ويرضى العبد على ربه بما مَنَّ عليه، [رضيت بالله ربّاً، أي رضيت بجمال الله، رضيت بصفات الله، رضيت بأسماء الله، رضيت بما من الله علي من خير وفضل.
هذا كله يُعلِّق القلب بالله، وقد ذكرنا الرجل من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، "رجل قلبه معلَّق بالمساجد"، حينما ينادي المنادي للصلاة يسرع إلى قلبه، لأنه معلق مثل الثريا في المسجد، ليس هناك ما يشغله فيرجع إلى قلبه، لأن كل مواجده سكنت في القلب، والقلب إذا تعلق بالله لا يَفصِلُه عنه شيء، حتى الشيطان حين يوسوس لك لا يستطيع صرفك عن عبادة الله حينئذ، لأن مسلكك إلى الله عز وجل كان هو مسلك المحبة،

المحبة عِلْمٍ بالله وعمل لله.

أما قوله عز وجل {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ}(البقرة: 165) فلأنهم عرفوا الله عز وجل، لو لم يعرفوه ما أحبوه، وكيف كان حبهم أشدّ أي أكثر وأرفع وأعمق وأقوى من حب الآخرين للأنداد؟؟
كان ذلك لأنهم قارنوا بين الأمرين، لأن صيغة التفضيل تقع بين اثنين، وإنما يقع التفضيل بين اثنين أشد حبّاً لله، فالذين آمنوا عرفوا آلهة الذين كفروا، عرفوا آلهة المشركين، أحجاراً أو أشجاراً أو أموالا أو مناصب، عرفوها وزهدوا فيها، ثم عرفوا الله بعد ذلك، وعرفوا ما لهذه الأشجار والأحجار والأوثان المعنوية، عرفوا ما لها من قدر، وقَدْرُها وَضِيعٌ، وعرفوا ما لله من قدر وقدره عز وجل رفيع، فكان حبهم لله أشدّ من حب الذين كفروا لأندادهم.
ولماذا؟ أيضا لأن الذين كفروا إنما عَرَفُوا آلهتهم فقط، ليسوا كالمؤمنين، المؤمن يعرف الله عز وجل، وعارف بالأوثان الأخرى، فهي تنازعه، فيدعها ويتعلق بالله، أما الآخرون فلم يعرفوا الله ولكن عرفوا تلك الأنداد فأحبوها، ولو قُدِّرَ لهم أن يعرفوا الله وقُدِّرَ لهم أن يهتدوا إليه لأحبوه.
ومعرفة الله ليست كـ”اسم” فقط، لا، لأن الله لا يُعرف إلا بأمرين يُعرف بالعِلم {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(آل عمران: 18)، ثم يُعرف بالعبادة.
لأن العلم يُعلمك الصفات، ويُعلِّمُك أخبار الحق عن الحق سبحانه وتعالى، ولأن العبادة تساعدك على تذوق معنى كل ما علمت، لأن الإنسان قد يَعْلَم ولا يذوق ما يَعلَم.
لا يَعلَم العالِم حقيقة ما يعلم إلا حينما يذوقه، وذلك ما سماه النبي عليه  حلاوة الإيمان، فحلاوة الإيمان إنما تُدرك بالسلوك، بالأخلاق، بالعمل، بالسير إلى الله عز وجل، والمؤمن من جمع بين العِلم والعَمَل،
المؤمن الحق هو الذي استوى إيمانه، هو الذي جمع بين عِلْم وعَمَلٍ، عِلْمٍ بالله وعمل لله، هذا هو الحقّ الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان المؤمن، والذي يجعله فعلا يعرف مَنِ هو الله حتى يكون من الذين آمنوا، الذين هم أشد حبّاً لله.
فاللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا من الذين آمنوا الذين هم أشد حبا لله، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين، واغفر لنا أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين. اللهم ربنا أعط أنفسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها. اللهم اجعلنا لك من الشاكرين، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين، اللهم اغفر لنا أجمعين. اللهم عافنا في ديننا وعافنا في أبداننا وعافنا في دنيانا وعافنا في أخرانا.
المصدر : من حلقات محاضرات "منازل الإيمان" للدكتور فريد الأنصاري ألقيت بالجامع الأعظم بمكناس وهي مادة مسجلة على شريط سمعي .
وللمزيد من الإفادة هذا فيديو لمحاضرة عن منزلة "الخوف والرجاء" من قناة شيخنا الدكتور "خير الدين الشعال" باليوتيوب بارك الله بعمره ، ونفعنا الله ونفعكم ببركة علم مشايخنا الأجلاء زائرنا الكريم .



author-img
☆▪ᵖʰᶤˡᵒˢᵒᵖʰᶤᵃ▪☆

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent